نارام سرجون:كوميديا الكراهية .. في أنفاق النفاق الاعلامية

نارام سرجون:كوميديا الكراهية .. في أنفاق النفاق الاعلامية

- ‎فيأقلام

نارام سرجون

لاتظنوا أن الأنفاق التي بناها الارهابيون في المدن السورية هي وحدها الأنفاق التي بنيت في هذه الأحداث .. عاش المسلحون وقتا طويلا في هذه الأنفاق .. عاشوا في هوائها الثقيل واضاءاتها الشاحبة ولبثوا في بعضها أسابيع لايعرفون ماذا يدور في الخارج وفي العالم .. ينتظرون من يقول لهم أن يخرجوا لأن الخطر من اجتياحهم توقف .. ولكنهم كانوا يعيشون حول الأنفاق معظم حياتهم .. كي ينزلوا بسرعة عند اقتراب الخطر .. وقد رأينا شهادة أحد سائقي الباصات الذين نقلوا بعضا من هؤلاء يروي كيف ان المسلحين في طريقهم الى الشمال عبر دمشق فوجئوا بمنظر دمشق التي لاتزال جميلة وغير مهدمة والناس فيها يسيرون بحرية ويمارسون حياتهم .. فيما كان هؤلاء يسمعون أخبارا من الثوار ان دمشق كلها تحطمت وأن الثوار يدقون على أبواب قصر الشعب بأحذيتهم وأن الناس هاجروا وتركوا البلاد ولم يبق في دمشق سوى الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة والميليشيات الايرانية والشيعية والشبيحة والدبابات .. حتى الرئيس بشار الأسد غادر الى غواصة روسية في طريقه الى سيبيرية .. فوجئ هؤلاء بما رأوه من حياة متنوعة ومن حيوية الناس في دمشق .. وكان المسلحون بلحاهم كأنهم أهل الكهف .. ناموا في الأنفاق وتلقوا كل معلوماتهم ممن كان يستعملهم ويعظهم ويخبرهم بالأساطير ..
الأنفاق الهائلة والخطيرة هي تلك الأنفاق الاعلامية التي أدخل بها الاعلام العربي والثورجي جمهورا واسعا من المعارضين السوريين والعرب .. ولكن ماأسمعه من الناس الذين التقوا سوريين معارضين او لاجئين في الخارج يؤكد لي أن هؤلاء قد دخلوا نفقا من الأنفاق التي حفرتها ماتسمى الثورة السورية ولايزالون فيه لايعرفون كيف يخرجون منه وكأنه نفق تم اغلاقه من طرفيه .. كل من يسكن فيه يعيش في الظلام ويتنشق الهواء الثقيل .. ولايسمع الا مايتردد في هذا النفق من أحاديث وأخبار تصل من فتحات ضيقة صممت لما يزعم انه للتهوية ..

من يسمع لهؤلا ءالناس لايداخله شك انهم لايعيشون في عالم الواقع وهم أقرب الى ذلك المسلح في الغوطة الذي لم يكن يعلم ان دمشق على قيد الحياة وان الدماشقة يملؤونها ويتنزهون فيها ويعيشون فيها كما يفعلون كل يوم منذ عشرة آلاف سنة .. وانها مليئة بالأضواء والحدائق والرقصات رغم الحرب .. هرلاء المعارضون التائهون لايسمعون الا اعلام المعارضة واعلام السعودية والخليج واعلام الغرب .. وهذا الاعلام لايزال يحفر لهم الانفاق المظلمة ويدفنهم فيها .. منذ ان بدأ الحفر بأصابع أطفال درعا وقضيب حمزة الخطيب .. وأشلاء زينب الحصني ..

من يسمع مايردده هؤلاء يصيبه العجب من هذا الجهل الأعمى .. فرغم كل وسائل التواصل والتحقق لمن يريد فان هؤلاء لايزالون يرددون شائعات عن القتل العشوائي وعن التشيع وعن الجامع الاموي الذي صار حوزة شيعية .. وعن المجازر التي يرتكبها النظام والقصف العشوائي الذي قتل المدنيين وهم يفطرون او يتناولون العشاء مع أطفالهم .. وعن الشبيحة الذين يغتصبون النساء ويتسلون بقص حلماتهم .. وعن اعتقال النظام وغدره لمن سوى وضعه وعن ذبح عائلات بقيت وقبلت بالمصالحة .. وخرافات لاحصر لها ولااساس لها من الصحة ..

وقد التقيت منذ اسابيع مجموعة من هؤلاء الذين يعيشون في الأنفاق الاعلامية من فترة في احد اسفاري الى الخارج وتحدثت مطولا معهم .. وفوجئت عندما تحدثت معهم بود عن البلاد وعن ضرورة التصالح مع الذات انهم كانوا ينظرون الي وكانني كائن اسطوري غريب .. عقدت الدهشة لسانهم وعجز بعضهم عن الحديث وكانوا ينظرون الي بريبة شديدة وكان لسان حالهم يقول انني أتيت لاستدراجهم او اختطافهم .. فيما لم يتردد بعضهم من ان يتقيأ كراهية صريحة أمامي لأنني أريد منهم ان يستفيقوا .. ورددوا عليّ عن ظهر قلب كالتلاميذ الشاطرين نشرة أخبار الامس التي نقلتها العربية والجزيرة وأورينت وأن الثورة تنتصر أو ستنتصر .. وبدا انهم مصابون بلوثة وانني أتحدث مع اهل الكهف .. ولم ينقص المشهد الا أن يكون معهم كلبهم ولهم اظافر عمرها 300 سنة وثياب بالية قديمة .. ونقود عثمانية من زمن السلطان عبد الحميد ..

وعندما تداولت الأمر مع أصدقاء لفت بعضهم نظري الى عملية صناعة وعي مزيف عبر عملية صناعة أخبار ملفقة لاتتوقف كل دقيقة .. ونشوء برامج متعددة وكلها تنقل رسالة واحدة وهي الكراهية .. لكن هناك اعتماد على برامج كوميدية لاعادة تصوير الأحداث وبرمجة عقول هؤلاء المدفونين في الأنفاق منذ 8 سنوات .. وهذه من خلال متابعتي كوميديا لاتشبهها أي كوميديا في العالم .. لأنها اخترعت شيئا اسمه كوميديا الكراهية .. فهي تسلي جمهورها باضحاكهم ولكن الضحك يأتي من خلال ممارسة الفاظ الكراهية البذيئة واحتقار الآخر ومذهبه او انتمائه الفكري وتحويل الموالي الى كائن كريه قبيح مثير للضحك والنفور .. ويتم حقن الكوميديا بكثير من الكراهية .. فيضحك المعارض من شدة وكثافة جرعة الكراهية التي يتلقاها وليس لأن المادة كوميدية .. كمن يضحك من شدة الصدمة والرعب في موقف صادم .. وهذه الكوميديا تعتمد على رفع مستوى الغضب في قضية ما الى حد لايتخلص المشاهد من غضبه الا بتعريضه لموجة كبيرة من الانتقام من الخصم عبر الضحك عليه وتمزيقه بسكاكين والسخرية وتقطيعه اربا عبر الضحك على كل ماينتمي اليه وكل مايفعله .. فيتحول الجمهور المعارض الى جمهور يمارس ضحك الكراهية وضحك التشفي والانتقام .. ونفسيا يصبح مثل قاتل يتلذذ بقتل خصمه ويضحك وهو يذبحه .. ومن يضحك وهو ينتقم لاشك انه يدخل في مرحلة عميقة سايكوباثية فيزداد جهلا وكراهية وحقدا وتصبح عملية التصالح مع الواقع ومع المحيط محكومة بشعوره بالخجل من نفسه اذا تصالح مع الخصم .. لأنه ضحك من الخصم وهو يكرهه ويقتله ولايقدر على مغادرة هذا الشعور الا ولديه شعور بالندم والحرج من نفسه اذا توقف عن الكراهية .. ويصاب بكراهية لنفسه اذا ماغير موقفه ونظر خارج النفق الذي عاش فيه يكره ويضحك منذ 8 سنوات دون توقف ..

حفارو الانفاق العملاقة التيي تجقن الناس في الظلام ليسوا فقط في المعارضة السورية فهؤلاء مجرد تلاميذ صغار امام حفاري القبور والمقابر الجماعي التي تنفذها مؤسسات اعلام الغرب مثل سي ان ان وبي بي سي لتي تدفن شعوبها في مقابر جماعية وأنفاق عملاقة .. لأنك ان التقيت اوروبيا فانه يبدو لك في الشأن السوري من أهل الكهف .. ينظر اليك حائرا وانت تقول له انك تعيش كذبة كبيرة .. فلايفهم .. ولايقدر ان بفهم .. فهو في نفق كبير يشم الهواء الثقيل وياكل الظلام الدامس عينيه وقلبه ..

هؤلاء أسرى ومعاقون وسجانوهم هم أولئك الكوميديون المتوحشون الذي ينهشون عقولهم بالبغضاء والحقد .. وهؤلاء السجانون القساة لن يفتحوا الأنفاق وسيغلقون حتى فتحات التهوية .. كي ينشا جيل جديد في هذه الانفاق لايعرف عن بلده واهل بلده سوى أنه يكرههم .. ويكرههم كثيرا ..

المشكلة أننا يجب ان نجد طريقة كي ندخل هذه الانفاق والخنادق الاعلامية التي اختطف اليها الناس وكما زرعنا الانفاق المحررة في دمشق تماثيل وجمالا وفنا وحياة وحقيقة .. فان علينا أن ندخل الى أنفاق الاعلام المعارض ونحضر اليها الضوء والحقيقة والا بقي الناس فيها مثل روبنسون كروزو على جزيرة لايعرف مايجري في العالم .. وعلينا أن نحاول ان نخرج منها أهل الكهوف الثورية .. او على الاقل ان نضع الضوء في عينين اعتادتا على الظلام وان نقرب من خياشيمه الاكسجين ليتنفس هواء نقيا .. وعطرا .. ونحن نعلم أن البقاء في الأنفاق هي قرار صاحبها .. وهناك طبعا من قرر أن يبقى في الأنفاق وألا يخرج وأن يصبح من أبناء الظلام .. وهؤلاء لانقدر أن نساعدهم .. الا ان نتمنى لهم نهاية هادئة في القبور المظلمة التي اختاروها ..

Loading...

Facebook Comments

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *