الفراغ السياسي

الفراغ السياسي

- ‎فيрусский

مازن بلال

لا يعد تصريح وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، بشأن البقاء في سورية تناقضاً مع المواقف الخاصة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، فالمسألة متعلقة بالترقب حول حدوث فراغ سياسي في اللحظة التي تبدأ المهام العسكرية بالانحسار السريع، ويرتبط هذا الأمر بنظرة واشنطن إلى طبيعة الحل السياسي، فهي لا تجد منافسا للحكومة السورية؛ الأمر الذي يدفعها نحو البحث الدائم عن قوى يمكن دعمها، واختيارها لـ«قسد» لا يبدو كافياً للدخول في منافسة مع دمشق لملء مساحة سياسية تعتقد واشنطن أنها ظهرت خلال سنوات الأزمة.
عملياً فإن محاولات تأخير عمليات الجيش العربي السوري في إدلب تدخل ضمن هذا الإطار، حيث ستواجه «قسد» استحقاق التعامل المباشر مع الحكومة السورية، من دون أن تمتلك مساحة عامة يمكن عبرها مخاطبة الشعب السوري بأكمله، على حين تبقى بعض الفصائل المدعومة تركياً أصغر من المنافسة السياسية، فهي ذراع عسكري ضعيف يمكن أن يتحلل سريعاً عند أي مواجهة عسكرية أو سياسية، فواشنطن التي تبحث حسب تصريحات ماتيس عن قوى محلية مازالت تتعامل وفق رهان التفكيك لبعض مكونات المجتمع السوري من أجل الدخول في الحل السياسي.
ضمن هذا الموقف الأميركي تأتي التهديدات العسكرية، والتلويح بالبقاء في سورية مع تأكيدات واشنطن على أن ما يحدث هو «حرب أهلية»، وهذه «الرؤية» تفترض أساساً انتزاع فئات سورية عند الجلوس على طاولة التفاوض، فمسألة «الفراغ السياسي» لا تعد ذريعة بقدر كونها عملية مستمرة تحتاج على مستوى الداخل السوري لإعادة النظر في طبيعة المواجهة السياسية القادمة أو حتى الحالية.
الإجراءات التي تبعتها الحكومة السورية طوال السنوات الماضية تركزت حول تأكيد شرعية الدولة، حيث تمارس المؤسسات عملها بشكل دائم بما في ذلك مؤسسات إنتاج السلطة عبر الانتخابات الرئاسية وحتى التشريعية، إضافة إلى دعم العملية السياسية ضمن مستواها المحلي عبر الإدارة المحلية وانتخاباتها التي ستجري خلال الشهر الحالي، فدمشق لا تعترف بـ«الفراغ السياسي» المفترض، وتقوم على تدعيم المؤسسات الشرعية القائمة على وسائل مختلفة.
المشكلة هي أن القضية السياسية أصبحت خاضعة لاعتبارين: الأول هو القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن، والثاني عملية جنيف التي تقوم أساساً على وجود منافسين للحكومة السورية، ومن الصعب نزع شرعية تمثيل هؤلاء المنافسين عبر استعادة الدولة لنفوذها على جميع الأراضي، فهم موجودون بحكم القرارات الدولية وهذا الأمر يقتضي البحث عن تمثيل مختلف يخرج عن القواعد التقليدية التي ظهرت خلال الأزمة من خلال الأحزاب أو القوى الموجودة في الداخل السوري، والعودة للتمثيل الأقل تعقيداً والأكثر مباشرة، وهذا ما يجعل «الإدارة المحلية» نموذجاً يمكن الاستناد إليه لأنه لا يشكل أداة تفاوض وإنما يشكل تمثيلاً للمجتمعات المحلية على اختلاف طيفها.
لا تدخل الحكومة السورية بمنافسة مع الرؤية الأميركية، وهي في الوقت نفسه لا تنظر إلى الإدارة المحلية إلا من إطار التعامل مع الدستور القائم والقوانين النافذة، فالناخب والمرشح هو في النهاية من يقرر التعامل من خارج قاعدة التمثيل القائمة اليوم، وهو أيضاً من يستطيع منح القانون 107 القوة الحقيقية لمواجهة «عملية سد الفراغ» التي تحاول فرضها الولايات المتحدة، فاعتياد الانتخابات المحلية واقتصار رؤية البعض على جانبها الخدمي لا يلغي في النهاية القدرة على إعادة صياغة التمثيل والبدء بعملية ديمقراطية أكثر عمقاً من كل مخرجات جنيف، فوحدها المجالس المحلية قادرة على الإجابة عن سؤال طرحه المبعوث الدولي، ستيفان دي ميستورا، في إحدى جولات التفاوض، فما الإجراء الذي يمكن أن يُشعر المواطن بحدوث تغير حقيقي مع الحفاظ على مؤسسات الدولة؟ فهي تنطلق من تفاصيل الاحتياجات التي يمكن أن تبني جواباً إجرائياً لكل الأسئلة التي طرحتها جولات التفاوض.
الوطن

Loading...

Facebook Comments

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *